فخر الدين الرازي
167
شرح عيون الحكمة
ولقائل أن يقول : السؤالات على هذه الحجة كثيرة ، ذكرناها في كتاب « الملخص » ونكتفي هنا بالقليل منه . فنقول : أتقولون : ان هذا الادراك عين هذه اللذة ، أو تقولون : هذا الادراك يوجب هذه اللذة ؟ والأول باطل ، لأن الادراك حاصل قبل الموت واللذة غير حاصلة قبل الموت ، فوجب أن لا يكون الادراك هو عين اللذة . والقدر الذي ذكرتموه - وهو قيام المانع - هو في هذا المقام باطل ، لأنه يجوز أن يكون المقتضى قائما ، الا أن المانع يمنعه من ايجاب هذا الأثر . وهذا معقول . وأما أن يقال : ان الشئ يكون حاصلا ، ثم إن المانع يمنع من حصوله حال كونه حاصلا . فهذا لا يقوله عاقل . فثبت : أن هذا القدر انما يتم إذا عرفتم أن هذا الادراك ليس عين اللذة ، بل هو أمر يوجب اللذة . الا أنا نقول : على هذا التقدير يسقط هذا الدليل . وبيانه من وجهين : الأول : ان القوى المدركة مختلفة بالماهيات والادراكات أيضا مختلفة بالماهيات . والأشياء المختلفة بالماهية لا يجب استواؤها في الأحكام ، فلا يلزم من كون الادراكات الحسية موجبة للذة ، كون الادراكات العقلية موجبة للذة . الثاني : هب أن الادراكات العقلية موجبة للذة ، لكن كون المقتضى موجبا لأثره ، يكون موقوفا على شرط . فلم لا يجوز أن يقال : كون الادراكات العقلية موجبة للذة موقوف على حصول الآلات البدنية . وعند فقدان هذه الآلات يبطل الشرط ، فلا جرم لم يحصل المشروط ؟ والأقرب عندي في تقرير هذا الباب : أن يقال : الاستقراء دل على أن الكمال محبوب لذاته . وإذا كان كذلك لزم أن يقال : ان الشئ كل ما كان أشد كما لا كان أولى بالمحبوبية . وأكمل الأشياء هو الحق - سبحانه - فكان هو أولى بالمحبوبية . وادراك المحبوب من حيث هو محبوب ، يوجب